ولد فريد بن محمد بن فهد الأطرش في أواخر عام 1915،
بمدينة السويداء في محافظة جيل العرب بسوريا، وكانت
عائلته تسكن جبل الدروز، وكانت من أبرز الزعامات. كانت
وقتها الحرب العالمية مشتعلة، وقد نشأ فريد على
العادات والتقاليد العشائرية بين أصوات دوي القذائف
للحرب العالمية الأولى، وكان اتجاه والده أن يكون ابنه
فريد متعلمًا لكافة التقاليد العربية، ولم يطل البقاء
لفريد الأطرش في جبل الدروز، وفي هذا الوقت انتقل
والده للعمل في الأناضول معه أسرته واستقر حتى عام
1919، وفي أثناء عودته عن طريق الباخرة ولدت أسمهان في
عرض البحر على باخرة يونانية، وهنا وقعت الحرب
نهايتها، وبدأت جراء ذلك الدول الاستعمارية تنفيذ
مخططاتها في الدول العربية، من قبل انجلترا وفرنسا،
فتم تقسيم الدول العربية للدول الاستعمارية وبالتحديد
لانجلترا وفرنسا، فكانت سوريا ولبنان من نصيب فرنسا،
وهذا لم يرضِ انجلترا؛ فكان التذمر والمقاومة من العرب
في جبل الدروز ضد القوات الفرنسية.
لقد اتخذ فريد طريقًا مميزًا في الغناء، فكان اذا غنى
يغني من قلبه المفعم بالأحاسيس الطيبة، كان فنانًا
وموسيقيًا مبدعًا، وكان هذا قمة النجاح الذي سار على
نهجه، ولقد أحب فريد مصر وأحبه كل المصريين مع أنه من
أصل لبناني ولم يترك الوطن الغالي على قلبه، ويذكر
لفريد أنه عندما غادر مصر لسنوات، عاد وغنى لهذا الوطن
أغنيته المشهورة (سنة وسنتين) وعيناه تذرفان الدمع
بكلمات تلك الأغنية (يا مصر يا عمري يا نور العين)،
ولم يكن لفريد الأطرش نصيب في أن يتزوج ولكنه عاش في
حب دائم من خلال أغانيه، وقد تمسك بعمله حتى آخر
حياته. وقد خسرت الجماهير لفقدانه ولفنه ومسيرته
الفنية، لقد كان ثاني الراحلين من الأربعة الكبار أم
كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم.
واليوم ونحن في ذكرى وفاته قد مضت خمسون عامًا، ما
زالت أغانيه وألحانه وموسيقاه بين قلوب كل العرب، فقد
كان هرمًا موسيقيًا منذ بدء رحلته مع الغناء والموسيقى
حتى يومنا هذا، في عام 1921، خافت عليه السيدة علياء
المنذر والدته اذا أخذته مع أبنائها الثلاثة، فؤاد
وفريد وأمال (أسمهان) الى لبنان، وهناك التحق فريد
بمدرسة (سان جوزيف) إلا أن فريد لم يكن مجدًا في
دراسته في تلك المدرسة وفي عام 1923، انتقلت والدته مع
أبنائها الى القاهرة ولكن لم يسمح لها بدخول الأراضي
المصرية؛ لأنها لم تكن تحمل جواز سفر، ولكنها اتخذت
قرارًا صائبًا بالاتصال بسعد زغلول الذي كانت له
الزعامة الوطنية فسمع لها بدخول القاهرة فكان سكناها
بمنزل صغير (بحي الظاهر) وكان بمثابة استراحة لها
ولأبنائها من عناء السفر، وفي القاهرة التحق فريد
بمدرسة (القرير) الفرنسية، باسم مستعار (فريد الكوسي)
الذي سبب له متاعب نسبة لهذا اللقب، وكان سخرية من
زملائه في المدرسة مما دفعه الى الهرب من المدرسة
واستطاعت والدته أن تلحقه (بمدرسة الروم الكاثوليك)
التي نال منها الشهادة الابتدائية، وقد عمل فريد في
محل (بلاتشي بالموسكي) بتوصيل الطلبات الى المنازل،
براتب شهري قدره أربعة جنيهات.
كان فريد منذ بدء حياته مولعًا بالعزف على العود وقد
التحق فريد أثناء دراسته (بنادي الموسيقى الشرقي)
بجانب الموسيقار (رياض السنباطي) الذي علَّم فريد
العزف على العود، ومن الصدف كان فريد يسكن بجوار ملحن
لبناني مقيم في القاهرة وهو من لحَّن لفريد وشقيقته
أسمهان الألحان الجميلة في بداية حياتهما الفنية.
وبرغم سنه، بدأ فريد يغني في بعض الإذاعات الأهلية،
حيث أصبح معروفًا في الوسط الفني، وقد التحق بفرقة
(ماري منصور الاستعراضية) بمرتب قدره 6 جنيهات وقد
ضمنته (بديعة مصابني) الى فرقتها بمرتب 8 جنيهات، وكان
من بين أعضاء الفرقة الموسيقار محمود الشريف والمطربون
محمد عبد اللطيف وابراهيم حمودة، وفي عام 1934، كان
الحظ يقف ويداعب فريد، حيث كان الموسيقار (مدحت عاصم)
في زيارة لمعهد الموسيقى العربية وكان وقتها يشغل
المدير الفني للإذاعة المصرية، فسمع صوت عزف على العود
فأعجب بالعزف، مما دفعه الى فتح الباب ليعرف من هذا
العازف فاذا به أمام شاب في مقتبل العمر في عام التاسع
عشر، ولم يتحمل فريد مفاجأة أن يلتقي مع مدير الإذاعة
فنهض في ارتباك مما كان من مدحت عاصم أن قال له: أقعد
يا شاطر، وطلب منه أن يستمر في العزف. وقال فريد
لمدحت: أنا بغني ايضًا، فغنى فريد أول لحن له في
الإذاعة (باحب من غير أمل)، ثم (كرهت حبك، وميمي
وأهواك وما اقدرش). في عام 1936، قدم فريد بصوته
أغنيته المميزة للمؤلف والملحن الفلسطيني (يحيى
اللبابيدي) وهي أغنية (يا ريتني طير لا طير حواليك)،
فكانت هذه الأغنية الطريق الذي مهَّدت لفريد أن يسبق
عمره والزمن في هذه الأغنية التي أعطته الشهرة، ومن
الألحان التي انفرد بها لشقيقته أسمهان: نويت أداري
الامي، رجعت لك يا حبيبي واعمل ايه علشان انساك. وقد
تم اختياره من قبل مجلة (الصباح) الثاني بعد عبدالوهاب
الذي كان في المرتبة الأولى. في سنة 1940 تعاقد فريد
مع شركة أفلام النيل ببطولة فيلم (انتصار الشباب)
بمشاركة شقييقته اسمهان، وتقاضى فريد عن هذا الفيلم
بمشاركة شقيقته مبلغ ثلاثة آلاف جنيه، وقد أطلق (داود
حسني) لشقيقته فريد اسم (اسمهان). وفي 14 يوليو 1944،
توفيت اسمهان غرقًا في إحدى الترع، ومنذ ذلك الحادثة
المشؤومة استقر الحزن في قلب فريد، ما انعكس على معظم
ألحانه، وقال فريد عبارة: «لو لم تمت اسمهان لما لجأت
لأي مطرب آخر، ولكن ماذا أفعل، إنها إرادة الله». ومن
ضمن أفلامه، فيلم (شهر العسل) وفي عام 1945، شارك في
فيلمين، جمال ودلال وما اقدرش، وفي عام 1946.
واجه فريد أزمة مالية لدرجة أنه عجز عن دفع ايجار
الشقة التي كان يسكنها، وفي هذا الأثناء قدَّم له
الشاعر مأمون الشناوي أغنية حبيب العمر، وقد تقاضى
مبلغًا قدره (ثلاثمائة وخمسون جنيهًا) عن هذه الأغنية،
ثم تعاقد بعد ذلك مع (إذاعة الشرق الأدنى) ومن خلالها
أغنية (حبيب العمر) فقد حولها فريد الى اسم فيلم، وهو
(حبيب العمر). وخلال الأربعينيات قدم فريد 3 أفلام،
حبيب العمر وأحبك أنت وعفريته هانم. في 11 ديسمبر
1950، قدَّم فريد مجموعة من الاغاني الاستعراضية،
وخلال الخمسينيات قدم فريد 14 فيلمًا، منها آخر كذبة
وتعال سلم وما تقولش لحد. في سنة 1953 احتضن فريد
راقصة جديدة هي (ليلى الجزائرية)، لتحل محل سامية
جمال، وفي عام 1955 أنتج فريد فيلم (عهد الهوى)، وقد
حضر عرض هذا الفيلم الرئيس جمال عبدالناصر، وقد تبرَّع
فريد بإيراد الفيلم لمشوّهي الحرب، ولم يحضر فريد عرض
هذا الفيلم بسبب مرضه، وفي نفس العام 1955 أنتج فريد
فيلمًا باسم (عهد الهوى) الذي يحكي حبه لملكة مصر
السابقة (ناريمان) الذي اختطفها منه الملك فاروق، وفي
عام 1956 التقى فريد مع المطربة شادية في فيلم (ودعت
حبك)، وقد شجَّع هذا الفيلم فريد، اذ قام بإنتاج فيلم
آخر بعنوان (أنت حبيبي). وفي عام 1958، أنتج فريد
فيلمًا آخر باسم (ماليش غيرك)، ثم التقى مع الممثلة
(ماجدة) بفيلم (من أجل حبي) وقد احتوى هذا الفيلم
أغنية (حكاية غرامي) وقد غناها فريد والدموع تنحدر من
وجنته، وبهذا الفيلم الأخير اختتم فريد الأطرش فترة من
حياته الفنية بل وأخصبها لكل أزمان مسيرته الغنائية
العاطفية والوطنية والاستعراضية خلال حياته قدَّم فريد
الأطرش 31 فيلمًا بداية من عام 1975-1941، أما عدد
وأسماء الأفلام هي (انتصار الشباب، أحلام الشباب، شهر
العسل، جمال ودلال، ما اقدرش، حبيب العمر، بلبل افندي،
أحبك انت، عفريته هام، آخر كذبة، تعال سلم ما تقولشي
لحد، عايزة اتجوز، لحن الخلود، لحن حبي، ماليش غيرك،
من أجل حبي، شاطئ الحب، يوم بلا غد، رسالة من امرأة
مجهولة، حكاية العمر كله، الخروج من الجنة، الحب
الكبير، زمان يا حب، نغم في حياتي).
في الختام، يبقى هذا الفنان الكبير فعلاً (مطرب كل
الأزمان) ماضٍ جميل افتقدناه، وما يكتب عنه هو القليل
من الكثير.
فريد الأطرش في ذكرى رحيله الخمسين عن عالمنا الفني
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |





